عبد الشافى محمد عبد اللطيف

77

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

« أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ؟ » . فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : « نعم ، والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول اللّه ، فنحن أهل للحروب وأهل الحلقة ، ورثناها كابرا عن كابر » « 1 » . وهكذا تمت بيعة العقبة الكبري لتفتح أمام الإسلام آفاقا بعيدة ، ففي الوقت الذي ظنت فيه قريش أنها سدت في وجه الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كل السبل ، جاءت بشائر النصر من يثرب ، وهيأ اللّه لنبيه أنصارا وبلدا آمنا ، وهيأ ليثرب التي كانت غاية ما يطمح إليه أهلها أن تكون مقرّا لمملكة صغيرة لتكون مهاجرا لنبيه ومنطلقا لدينه وعاصمة لدولة الإسلام الكبري ، ومهدا لحضارة إسلامية عالمية ، وصدق اللّه إذ يقول : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ [ يوسف : 110 ] . * صدى الدعوة في خيبر : ما قيل عن يهود يثرب من حيث تاريخ مجيئهم إلى الحجاز ، ومن حيث أصلهم ، يقال عن يهود خيبر ، غير أن يهود خيبر يختلف موقفهم عن يهود يثرب من الدعوة الإسلامية ، فإذا كان يهود خيبر قد علموا بأمر الدعوة منذ البداية ، فهذا شيء طبيعي ، وإذا كانوا يتحدثون عنها ويتناقلون أخبارها وتطورها ، فهذا شيء طبيعي كذلك ، فالدعوة الإسلامية ليست حدثا عاديا ، وإنما منذ أن ظهر أمرها وهي حديث الجزيرة العربية كلها ، ولا همّ للناس إلا أن يعرفوا ماذا فعل محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وماذا فعلت قريش معه ؟ هذا كله شيء طبيعي ومنتظر من يهود خيبر ، غير أن المصادر التي بين أيدينا لا تحدثنا عن موقف محدد ليهود خيبر من الدعوة ، ولا ندري سببا لسكوت المصادر عنهم في المرحلة المكية ، فهل طغى موقف يهود يثرب واهتمت به المصادر وأهملت أمر خيبر ، أم أن يهود خيبر أنفسهم قد تركوا أمر التصدي للدعوة ليهود المدينة ووقفوا هم على الحياد ؟ يبدو أن هذا هو الأظهر ؛ لأننا لم نسمع أن خيبر قد أرسلت أحدا إلى مكة ، لتحريض أهلها على النبي صلّى اللّه عليه وسلم كما فعل ذلك يهود المدينة كثيرا ويبدو أن موقف يهود خيبر الحيادي هذا قد استمر حتى بعد الهجرة ؛ فرغم ما حدث بين النبي صلّى اللّه عليه وسلم وبين يهود المدينة ، وبصفة خاصة ،

--> ( 1 ) انظر تفاصيل بيعة العقبة الثانية في : ابن هشام - السابق نفسه ( 47 ) .